تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني
43
لمحات الأصول
وهذا الاختلاط إشارة إلى الرقائق العلويّة والسفليّة . والدليل على أنّ " النطفة " هي الروحانيّة ، قوله : ( نَبْتَلِيهِ ) فإنّ الابتلاء مناسب للروح ، لا للجسد والمادّة الجسمانيّة . والسمع والبصر أيضاً هما الروحانيّان منهما ؛ بمناسبة الابتلاء والهداية ، فبهما يميّز الصلاح من الفساد . وهداية السبيل عبارة عن بعث الأنبياء ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب . وقوله : ( إمَّا شَاكِراً وَإمَّا كَفُوراً ) إشارة إلى اختيار الطاعة ، فيكون شاكراً لأنعم الله ، أو المعصية فيكون كفوراً . إذا عرفت ذلك علمت : أنّ مجرّد إتيان العمل بالإرادة ، لا يوجب استحقاق العقوبة والمثوبة ، بل المناط هو الإتيان باختيار وترجيح بحسب ميزان العقل ، فالله - تعالى شأنه - قد مكّنه من تحصيل السعادة ، وهداه إلى طرقها ، وأعطاه المؤيّدات الداخليّة والخارجيّة ، فإذا كفر بأنعم الله واختار لنفسه الشقاوة ، فلا يلومنّ إلاّ نفسه ، وإذا اختار السعادة فليشكر ربّه ( 9 ) .
--> 9 - في المسألة إشكال وتحقيق ، أمّا الإشكال : إنّ الإرادة الإنسانية إن كانت واردة من الخارج بأسباب وعلل منتهية إلى الإرادة القديمة ، كانت واجبة التحقّق ، من غير دخالة العبد في ذلك ، فيكون مضطرّاً وملجأ في إرادته ، ولازمه الاضطرار في فعله ؛ لأنّ ما يكون علّته التامّة اضطرارية يكون هو - أيضاً - كذلك ، وإن كانت إرادته بإرادته ، ننقل الكلام إلى إرادة إرادته ، فإمّا أن يتسلسل ، أو يلزم الاضطرار والجبر . ( الطلب والإرادة : 47 ) . وأمّا التحقيق الذي به يدفع الإشكال : اعلم : أنّ الأفعال الاختيارية الصادرة من النفس على ضربين : أحدهما : ما يصدر منها بتوسّط الآلات الجرمانية ، كالكتابة والصياغة والبناء ، ففي مثلها تكون النفس فاعلة الحركة أوّلاً ، وللأثر الحاصل منها ، ثانياً وبالعرض . وفي هذا الفعل تكون بين النفس المجرّدة والفعل ، وسائط ومباد من التصوّر إلى العزم وتحريك العضلات . والضرب الثاني : ما يصدر منها بلا وسط ، أو بوسط غير جسماني ، كبعض التصوّرات التي يكون تحقّقها بفعّالية النفس وإيجادها ، لو لم نقل جميعها كذلك - مثل كون النفس لأجل الملكة البسيطة الحاصلة لها من ممارسة العلوم خلاّقة للتفاصيل ، ومثل اختراع نفس المهندس صورة بديعة هندسية - فإنّ النفس مع كونها فعّالة لها بالعلم والإرادة والاختيار ، لم تكن تلك المبادئ حاصلة بنحو التفصيل ، كالمبادئ للأفعال التي بالآلات الجسمانية ؛ ضرورة أنّ خلق الصور في النفس لا يحتاج إلى تصوّرها والتصديق بفائدتها والشوق والعزم وتحريك العضلات ، بل لا يمكن توسيط تلك الوسائط بينها وبين النفس ؛ بداهة عدم إمكان كون التصوّر مبدأ للتصوّر ، بل نفسه حاصل بخلاّقية النفس . إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ العزم والإرادة والتصميم والقصد من أفعال النفس ، ولم تكن سبيلها سبيل الشوق والمحبّة من الاُمور الانفعالية ، فالنفس مبدأ الإرادة والتصميم ، ولم تكن مبدئيتها بالآلات الجرمانية ، بل هي موجدة لها بلا وسط جسماني ، وما كان حاله كذلك في صدوره من النفس لا يكون بل لا يمكن أن يكون بينه وبينها إرادة زائدة متعلّقة به ، بل هي موجدة له بالعلم والاستشعار الذي في مرتبة ذاتها ؛ لأنّ النفس فاعل إلهي ، واجد لأثره بنحو أعلى وأشرف ، فكما أنّ المبدأ للصور العلمية واجد لها في مرتبة ذاته البسيطة بنحو أعلى وأشرف وأكمل ، فكذا الفاعل للإرادة . ( الطلب والإرادة : 53 - 55 ) .